
حققت تركيا علاقات اقتصادية جيدة مع مجموعة من الدول العربية،ربما لم تصل التجارة بين تركيا والدول العربية إلى مستوى العلاقات التركية الأوروبية، لكن في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان بقيت مجموعة من الدول العربية في الصدارة في تجارتها مع تركيا، و خلال 20 عاما من حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، استطاعت تركيا إقامة علاقات اقتصادية متفاوتة مع الدول العربية، مرات تتطور مع تطور التصدير التركي، وتتراجع أحيانا أخرى تحت تأثير أزمات سياسية خصوصا مع دول عربية مثل الإمارات ومصر، وفي الوقت الحاضر وبحكم الظروف العامة للمنطقة لا بدّ أن نتوقف ملياً لنرصد المشهد الخاص بالتجارة بين تركيا والدول العربية.
التطور في العلاقات التجارية بين تركيا والدول العربية:
وقد أكد رئيس اتحاد الغرف العربية (سمير بن عبد الله ناس) خلال الاجتماع الخامس المشترك للغرف العربية والتركية في شباط الماضي، أن العلاقات التجارية بين الدول العربية وتركيا تشهد نموا مستمرا و تطورا على مختلف الأصعدة، موضحا أن تركيا شريك اقتصادي بارز في المنطقة العربية، إذ يبلغ حجم التجارة البينية بين الطرفين حوالي 55 مليار دولار، وأشار (ناس) إلى أن الصادرات التركية إلى الدول العربية، تسجل نموا سنويا تصل إلى 10% مدفوعة بتزايد الاستثمار العربي المباشر والغير المباشر في تركيا، والتي شهدت نموا ملحوظا ومتراكما خلال السنوات الأخيرة.
أسباب نمو التجارة بين تركيا والدول العربية:
بيّن الباحث الاقتصادي: (إمره أوزدمير) أن النمو المتسارع في صادرات تركيا نحو الدول العربية يعكس تضافر مجموعة من الأسباب والعوامل الجغرافية والسياسية والاقتصادية، التي أسهمت في تعزيز مكانتها كشريك تجاري رئيسي في المنطقة.
- ونوّه في حديثه للجزيرة نت إلى أن التقارب السياسي بين أنقرة وعدد من العواصم الخليجية لعب دوراً محورياً في استعادة الثقة وإعادة تجديد العلاقات الاقتصادية بعد أن تأثرت خلال فترات التوتر، مما فتح المجال للطرفين فرصة توسيع التعاون وإطلاق مشاريع مشتركة ذات أثر ملموس على حركة التجارة.
- وأضاف أنه تم اتخاذ خطوات إستراتيجية لتعزيز التعاون التجاري، كان أبرزها إعلان وزارة التجارة التركية في نهاية تموز الماضي عن عقد الجولة الأولى من مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي في أنقرة.
- فالموقع الجغرافي لتركيا ظل عنصرا رئيسيا يدعم حركة التجارة مع الدول العربية، ذلك أن قربها من الأسواق الخليجية والشامية، إلى جانب شبكة النقل الحديثة التي طورتها، مما جعلها خيارا مفضلا لتجارة السلع والبضائع.
- وأكد أوزدمير أن هذا الموقع الجغرافي وشبكة التقل التركية يوفران إمكانية تسليم المنتجات بسرعة أكبر وتكاليف أقل مقارنة بالدول الأوروبية أو الآسيوية التي تواجه تحديات لوجستية أكبر.
- وأشار إلى أن المشاريع التنموية الكبرى التي تشهدها دول الخليج، مثل رؤية السعودية عام 2030 وكأس العالم في قطر لعام 2022، لعبت دورا كبيرا في زيادة الطلب على مواد البناء والمعدات الصناعية.
- وأوضح الباحث الاقتصادي أن هذه الطفرة التنموية دفعت الشركات التركية إلى لعب دور محوري في تلبية حاجات هذه المشاريع، بفضل قدرتها على تقديم منتجات ذات جودة عالية وأسعار تناسب طبيعة هذه المشروعات الضخمة، مما عزز مكانة تركيا كمزود رئيسي وموثوق لدعم هذه النهضة.
ويمكننا أن نلخص أسباب نمو التجارة بين تركيا والدول العربية فيما يلي:
- الموقع الجغرافي القريب والاستراتيجي.
- الاتفاقيات التجارية المشتركة بين الدول العربية وتركيا.
- التطور في القطاعات التركية المختلفة.
- الروابط الثقافية والتاريخية بين العرب وتركيا.
- الاستثمارات المتبادلة بين الدول العربية وتركيا.
التحديات التي تواجه التجارة التركية العربية:
إن نجاح تركيا في تعزيز تجارتها مع الدول العربية يواجه مجموعة من التحديات التي قد تتسبب في إعاقة استمرار هذا الزخم التجاري ويمكننا تلخيصها فيما يلي:
- إن المنافسة الدولية تشكل أبرز العقبات إذ تواجه المنتجات التركية ضغوطا من دول مثل الصين والهند التي تقدم بدائل بأسعار تنافسية، إضافة إلى المنتجات الأوروبية التي رغم ارتفاع كلفتها، ما زالت تحتفظ بجودة عالية في الأسواق العربية.
- تقلبات سعر الصرف تمثل تحديا آخر، إذ إن التذبذب المستمر في قيمة الليرة التركية يؤثر على كلفة الإنتاج ويضع الشركات المصدرة أمام صعوبات في الحفاظ على أسعار تنافسية.
- الأوضاع السياسية غير المستقرة في بعض الدول العربية قد تؤدي إلى اضطرابات في الطلب وسلاسل التوريد ما يزيد من تعقيد المشهد التجاري ويعرضه لتقلبات غير متوقعة.
الفرص الواعدة للتعاون التركي العربي:
وفيما يتعلق بمستقبل العلاقة الاقتصادية بين تركيا والدول العربية، فإن الأرقام المشجعة الحالية تعكس فرصا واعدة للتعاون المستقبلي، خصوصا وقد تحسنت العلاقات السياسية وتزايد الطلب على المنتجات التركية، ويتم السعي الحثيث لتحقيق استدامة هذا النجاح التي تتطلب تخطيطا استراتيجيا يركز على التنموع في المنتجات المصدرة، وتعزيز الاستثمارات في الأسواق الناشئة، فضلا عن استغلال الفرص التي توفرها مشاريع التنمية الكبيرة في المنطقة عموما.
إذ إن الشراكة الاقتصادية بين تركيا والدول العربية ليست مجرد علاقة تجارية، بل تمثل نموذجا لتكامل إقليمي متوازن يحقق مصالح مشتركة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، ومع استمرار هذا النهج، فإن المتوقع أن المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة من التعاون المثمر الذي يحمل في طياته في المستقبل.
يمكنك أن تقرأ أيضاً: مستقبل ريادة الأعمال في تركيا
تعزيز التجارة البينية (التجارة التركية العربية):
إذ يسعى كل من تركيا والبلاد العربية إلى تعزيز التجارة البينية تحت عنوان (مواجهة التحديات العالمية، واغتنام الفرص الجديدة)، ولذلك يتم العمل بعمق لتعزيز التجارة البينية كمقدمة لتعميق العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، والهدف مواجهة التحديات السياسية والمخاطر الجيوسياسية.
فالتجارة البينية بين تركيا والبلدان العربية ما زالت متواضعة مقارنة بالإمكانات المتوفرة، مشيرا إلى أن نسبة التجارة البينية على مستوى دول المنطقة وشمال إفريقيا بلغت نحو 14% في العام 2021، في حين أن هذه النسبة تصل إلى 68% في أوروبا و50% في وسط آسيا.
ولذلك فإن الارتقاء بالتجارة البينية إلى مرحلة جديدة من النمو، يقضي بتوقيع وتفعيل اتفاقات تجارة حرة بين الجانبين، ونقدم على ذلك مثالا من خلال اتفاقية التجارة الحرة التركية المصرية، ومساهمتها في تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب إعادة النظر ببعض الإجراءات بما يساهم في معالجة التحديات التي تقف في وجه تطور التجارة بين تركيا والدول العربية.
الدول العربية الأكثر استيرادا من تركيا:
تتصدر العراق قائمة المستوردين العرب للمنتجات التركية، تليها الإمارات ومصر والسعودية، مع تنوع ملحوظ في الصادرات يشمل مواد البناء، والمنسوجات والأغذية والأجهزة التقنية، ويعكس هذا التنوع الاتساع الكبير في قاعدة الإنتاج التركي فقط، بل يظهر قدرة الاقتصاد التركي على تلبية احتياجات أسواق مختلفة، سواء من السلع الأساسية للأسر أو المنتجات ذات القيمة المضافة التي تلبي احتياجات قطاعات حيوية ومتقدمة، فهذه العلاقة الاقتصادية ليست وليدة اللحظة، بل لقد شكل التعاون التجاري بين تركيا والبلاد العربية لسنوات طويلة ركيزة مهمة لتعزيز التكامل الاقتصادي.
-
العراق:
بواقع 10.76 مليار دولار، وعلى صعيد المنتجات، احتلت الحبوب والبقول والبذور الزيتية ومشتقاتها المرتبة الأولى في الصادرات التركية إلى العراق بنحو 2.5 مليار دولار، تلتها المواد الكيميائية ومنتجاتها بقيمة 102 مليار دولار.
-
الإمارات:
بـ 6.84 مليار دولار، واحتل قطاع المجوهرات المركز الأول في الصادرات التركية إلى الإمارات بنحو 3.9 مليارات دولار، تلته المواد الكيميائية ومنتجاتها بقيمة 901 مليون دولار.
-
مصر:
بـ 3.4 مليار دولار، واحتلت المواد الكيميائية ومنتجاتها المرتبة الأولى في صادرات تركيا إلى مصر بقيمة حوالي 890 دولار.
-
السعودية:
3.26 مليار دولار.
-
المغرب:
بـ 2.8 مليار دولار.
يمكنك أن تقرأ أيضاً: كيف تختار البنك الأنسب في تركيا لإدارة أعمالك؟
العلاقات الاقتصادية العربية ـ التركية في ضوء الانفتاح السياسي:
بلغت التجارة البينية للدول العربية مع تركيا نحو 50 مليار دولار في عام 2021 وهو رقم جيد بلا شك، ويظهر علاقات اقتصادية مقبولة.
غير أن الطاقة التجارية لهذه المجموعة، المستندة إلى حسابات أولية بسيطة حول قدرات كل بلد واحتياجاته، يجب ألا تقل عن 200 مليار سنويا، أي أننا أمام فرصة هائلة لرفع معدلات التجارة البينية، فبرصة عظيمة متوافرة لكل من الشركات، والحكومات تقترب من 150 مليار سنوياً.
أرقام التجارة التركية مع العراق والإمارات ثم مصر فالسعودية التي تفوق 60% من إجمالي العلاقات العربية ـ التركية تخلق حالة من المفاجأة لواقع العلاقات الاقتصادية الذي لا يتناسب مع العلاقات السياسية المصطدمة بملفات سياسية وأمنية بينية، وهذا تماما ما يجعلنا متفائلين بالفرص المتاحة في ظل تحسن العلاقات السياسية مع كل من الإمارات ومصر والسعودية، ويبدو أن الواقع السياسي سيشكل رافعة قوية للعلاقات الاقتصادية.
تعزيز التعاون التجاري بين تركيا والدول العربية:
وإننا نرى أن منطقة الشرق الأوسط ما تزال لم تستفد بالشكل الكافي من هاتين النقطتين بشكل يقلل من مكتسبات كل دولة ويجعلها تخسر فرصاً بديلة ممكنة، وإذا نظرنا إلى الخريطة، نلاحظ أننا أمام دول تمتلك كثافة في رأس المال كما هو واقع دول الخليج التي يتراوح متوسط دخل الفرد فيها ما بين 20 إلى 50 ألف دولار سنويا، وبعضها الآخر يمتلك كثافة في العمل كما هو الحال في مصر التي يفوق عدد سكانها 100 مليون نسمة، وكذلك تركيا التي تجاوز عدد سكانها 85 مليونا، ثم إن الموقع الجغرافي الذي يقع في قلب العالم القديم يضيف منفعة مكانية عظيمة في إطار التبادل التجاري الدولي.
تعزيز التعاون بناء على نقاط روافع التجارة التجارة الدولية لن يسهم في زيادة التجارة البينية وحسب، بل سيولد فرصاً أكبر في مجال التجارة الدولية، فإجمالي الصادرات العربية لأكثر من عشرين دولة، بما في ذلك النفط والغاز، لا يتعدى 4% من حصة الصادرات العالمية، وأيضا الصادرات الدولية لتركيا تقارب 1% فقط أي أننا نتحدث عن 5% فقط من حصة الصادرات العالمية لدول تمتلك مؤهلات ضخمة.
العوامل التي تعزز التعاون التجاري بين تركيا والدول العربية:
نذكر هذه المسألة لنبين أن ما تم فعليا إنما هو جزء صغير من الممكن، لذا فإن فرصة زيادة التجارة والاستثمار البيني مرتفعة للغاية بين الدول العربية من جهة وتركيا من جهة أخرى، بناء على عنصري المنفعة المكانية والميزة النسبية التي تمتلكها كل من هذه الدول لأن تركيا تمتلك موقعا عالي الأهمية بين آسيا وأوروبا يشكل طريقا للسلع المنتجة من المنطقة العربية إلى العالم الغربي سواء كانت هذه السلع محمولة على شاحنات أو سكك حديدية أو كان يمكن نقلها عبر الأنابيب كالنفط والغاز أو حتى عبر الأسلاك كالكهرباء، فتركيا استثمرت لسنوات طويلة في بنيتها التحتية اللوجستية ولا يخفى على المراقب حجم الطرقات السريعة وجودتها وكذلك المطارات والموانئ المنتشرة في البلاد فما بالك بالاختصاصيين.
وتمتلك تركيا قوة عمالية ضخمة تفوق 30 مليون بأسعار رخيصة نسبياً، وتتنوع تخصصاتهم وجودة أعمالهم، ويترافق كل هذا مع إمكانات إدارية ذات كفاءة جيدة، وعلى الجانب الآخر نرى أن الدول العربية مثل الدول الخليجية تبحث عن أسواق استثمار مجدية تكون قليلة التكلفة مقارنة بالسوق الأوروبية وقادرة على تحقيق أرباح مماثلة لما هو عليه الحال في الأسواق الأوروبية، وهو ما يتوفر في الحالة التركية.
فرص استثمارية كبيرة متاحة للدول العربية في تركيا :
والفرص المتاحة اليوم للدول العربية عبر الاستثمار في تركيا ويمكن أن تبدأ من قطاع الطاقة على سبيل المثال، إذ تدفع تركيا سنويا ما يقرب من 45 مليار ثمنا لفاتورة الطاقة، والطاقة التي تتوافر في معظم الدول العربية بشكل أكبر من توافر المياه، ليس كسوق مبيعات وحسب، ولكن كمركز عبور لوجستي لتجهيزات الأنابيب التي تمتلكها تركيا نحو الدول الأوروبية الهادفة لتقليل الاعتماد على الموارد الروسية مما يفتح المجال لسوق بمئات المليارات سنويا.
وتسعى الدول العربية وفي مقدمتها دول الخليج لإقامة علاقات اقتصادية متوازنة بين الغرب والشرق، إذ تعد المستودعات والطرق والموانئ التركية منفذا جيدا للدول الخليجية نحو أوروبا، مما يقلل الكلفة ويوسع الانتشار ويساهم في تحقيق هذا التوازنت ويجعل الدول العربية أكثر استفادة من دروس الماضي التي ترتكز إلى علاقات اقتصادية سياسية ترتكز إلى طرف واحد.
أهمية العلاقات التجارية بين تركيا والدول العربية:
ومع انخراط الدول العربية المتزايد في صراعات عسكرية، عقب ثورات الربيع العربي، شكلت الصناعات العسكرية التركية مجالا جيدا للاستثمار والتعاون، مثل مصر التي باتت ثالث أكبر مستورد للسلاح في العالم بالرغم من امتلاكها لأكثر من 27 مصنعا حربيا معظمها يتبع وزارة الدفاع، فإنه من الواضح أن هذه المصانع تحتاج مزيدا من التقنيات والمهارات التي قد تفيد التعاون التركي في تطويرها، إذ إن سياسة إبدال 50% من الواردات العسكرية السعودية التي تتضمنها رؤية 2030، وبدأت بتعاون تركي عرقلته العلاقات السياسية، ومع دخول بعض كبار رجال الأعمال العرب مضمار التصنيع العسكري فإن فرصة الاستثمار تتزايد من خلال التعاون التركي العربي.
تركيا كذلك سيكون لها فوائد كبيرة من الأسواق الخليجية والعربية، فهي تمتلك إنتاجا ضخما في جانب المواد الغذائية والمفروشات والكهربائيات والسلع الاستهلاكية المعمرة والألبسة إضافة إلى طموحات بتصدير السيارات وأجهزة الهاتف الذكي إلى أسواق جديدة، وتشكل الأسواق العربية فرصاً للمصدّرين الأتراك الذين لا يحتاجون إلى جهد كبير لترويج سلعهم في الدول العربية.
وتم انعقاد عدة مؤتمرات في إطار تعزيز وتنمية الاستثمار التركي ـ العربي وسيكون موضوع الاستثمار العقاري والقطاعات الداعمة له بالإضافة للاستثمار الصناعي والسياحي والصحي الأكثر نقاشا في هذه الاجتماعات والمؤتمرات، والتي شارك فيها آلاف من رجال الأعمال والمستثمرين من نحو 30 دولة من ثلاث قارات.
الخلاصة:
ولهذا تشهد السنوات الحالية وسنشهد في السنوات القادمة تطورا لافتا في تحسن العلاقات السياسية التركية بكل من السعودية ومصر والإمارات، وهي الاقتصادات الأكبر في المنطقة العربية.
وهكذا نرى أن تركيا استطاعت أن تعزز مكانتها كقوة اقتصادية إقليمية، ويثبت ذلك الأرقام الرسمية لعام 2024 التي تشهد على نجاح أنقرة في ترسيخ علاقاتها التجارية مع الدول العربية.